يمثل «الأنوار السنية في جمع الآي من الدرة والشاطبية – الجزء السادس» لممدوح مصطفى عبد الغني مرحلة متتابعة من مشروع تطبيقي واسع في جمع القراءات العشر الصغرى، وهو مشروع يوجَّه أساسًا إلى الطالب الذي فرغ من معرفة أصول القراء والرواة وفرشهم على سبيل الإفراد ثم انتقل إلى مرحلة الجمع بين الأوجه في السياق القرآني الواحد. وتنبع أهمية هذا النوع من التأليف من أن علم القراءات لا يكتمل بمجرد معرفة أن لقارئ ما وجهًا في كلمة أو أصلًا في باب معين، بل يحتاج القارئ عند الجمع إلى ترتيب الأوجه وضبط الانتقال بينها والمحافظة على نسبة كل وجه إلى قارئه وراويه وطريقه. ويكشف عنوان السلسلة عن أساسها العلمي؛ فالشاطبية تمثل المنظومة الرئيسة للقراءات السبع، بينما تضيف الدرة قراءات أبي جعفر ويعقوب وخلف العاشر، وبذلك يتحقق نطاق القراءات العشر الصغرى دون الدخول في توسعات طرق «طيبة النشر». ويقوم الطابع العلمي للكتاب على تحويل الأحكام النظرية الواردة في المتون إلى ممارسة قرائية مرتبطة مباشرة بالآيات، مما يساعد الطالب على استحضار مواضع الاتفاق والخلاف وتطبيق ما حفظه من الرموز والأصول والفرش. كما أن امتداد السلسلة إلى أجزاء كثيرة، ومن بينها الجزء السادس في مائة وإحدى صفحات، يدل على أن المؤلف قصد إلى بناء تدريب متدرج ومستمر، لا مجرد تقديم أمثلة محدودة على الجمع. ويستفيد من هذا المنهج الطالب في معرفة المواضع التي يكفي فيها المرور على قراءة واحدة بسبب الاتفاق، والمواضع التي تحتاج إلى إعادة الكلمة أو المقطع لاستيعاب أوجه القراء، وهو ما ينمي لديه مهارة الجمع ويمنع العشوائية في الأداء. كما يرتبط هذا العمل بعلم التحريرات ارتباطًا وثيقًا، لأن صحة الوجه منفردًا لا تعني دائمًا جواز تركيبه مع كل وجه آخر، ولذلك يحتاج القارئ إلى مراعاة القيود والطرق حتى لا يقع في التلفيق. ويخدم الكتاب طلاب الشاطبية والدرة، وطلاب القراءات العشر الذين بلغوا مرحلة الجمع، والمقرئين الذين يحتاجون إلى مادة مساعدة في المراجعة وتنظيم الأوجه. ولا يناسب المبتدئ في التجويد قبل تأسيسه في القراءات؛ لأن الانتفاع به يفترض معرفة سابقة بالقارئ والراوي والطريق والفرش والأصول. كما لا يغني عن المشافهة والعرض على شيخ متقن، لأن الجمع في جوهره أداء منقول، ولا تستوفى كيفية الانتقال والوقف والابتداء من النص المكتوب وحده. وتتمثل القيمة العلمية لهذا الجزء في مواصلة تحويل مادتي الشاطبية والدرة إلى تدريب تطبيقي منظم على النص القرآني، والمساهمة في تثبيت مواضع الخلاف وضبط نسب الأوجه ومنع الخلط بين القراءات والروايات، وهو ما يجعل السلسلة أداة نافعة في المراحل المتقدمة من دراسة القراءات العشر الصغرى.
غير موجوه الآن

