يُعَدّ كتاب «الحجة للقراء السبعة أئمة الأمصار بالحجاز والعراق والشام الذين ذكرهم أبو بكر بن مجاهد» للإمام أبو علي الفارسي من أمهات المصنفات في علم القراءات وتوجيهها اللغوي، حيث يجمع بين الرواية الدقيقة والتحليل النحوي العميق، ويهدف إلى بيان أوجه القراءات السبع التي اشتهر بها أئمة الأمصار، مع إقامة الحجة اللغوية على صحتها من خلال القواعد العربية وأصولها، وقد ألّف الفارسي هذا الكتاب في سياق علمي شهد نضجًا في تقعيد القراءات بعد اختيار ابن مجاهد للقراء السبعة، فجاء عمله مكمّلًا لهذا الاختيار من جهة التوجيه والتعليل، وقد تناول المؤلف في محاوره الرئيسة عرض القراءات المختلفة في الآيات، ثم بيان وجوهها من حيث الإعراب والبنية الصرفية، مع الاستشهاد بكلام العرب وشواهدهم لتقوية الوجه المختار أو بيان جوازه، كما ناقش أوجه الاختلاف بين القراء، مبيّنًا عللها اللغوية، ومستندًا إلى أصول المدرسة البصرية التي ينتمي إليها، وقد اعتمد الفارسي منهجًا تحليليًا استدلاليًا، حيث لا يكتفي بنقل القراءة، بل يعللها ويوازن بينها، ويرجّح ما يراه أقرب إلى القياس اللغوي، مما يجعل الكتاب نموذجًا للتكامل بين علمي النحو والقراءات، ويتميّز هذا العمل بلغة علمية دقيقة تميل إلى العمق، مع عناية واضحة بترتيب المسائل وتسلسلها، واعتماد على مصادر أصيلة في اللغة، مما يمنحه أصالة وموثوقية، ويُوجَّه هذا الكتاب إلى طلاب الدراسات العليا والباحثين في علوم القرآن واللغة العربية، خاصة المهتمين بالتوجيه اللغوي للقراءات، إذ يقدّم لهم مادة علمية ثرية تساعد على فهم علل الاختلاف القرائي وأصوله، وتكمن قيمته العلمية في كونه من أقدم وأعمق الكتب التي أسهمت في تأسيس منهج الاحتجاج للقراءات، مما جعله مرجعًا أساسًا في هذا الفن، وأحد الركائز التي اعتمد عليها من جاء بعده في دراسة القراءات وتوجيهها.
غير موجوه الآن