يُعَدُّ كتاب «المستنير في تخريج القراءات المتواترة من حيث اللغة والإعراب والتفسير» للدكتور محمد سالم محيسن من المؤلفات المتخصصة في توجيه القراءات القرآنية، وقد نشأ أصل العمل في سياق أكاديمي؛ إذ أعده المؤلف استجابةً لتدريس تخريج القراءات العشر لطلاب الدراسات العليا بقسم اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة الخرطوم، مما يفسر طبيعته التحليلية واهتمامه بالجمع بين علم القراءات والدراسات اللغوية والتفسيرية. ويقوم موضوع الكتاب على دراسة القراءات المتواترة لا من جهة نقلها وأدائها فحسب، بل من جهة الكشف عن وجوهها في العربية، وتحليل تراكيبها النحوية والصرفية، وربط الاختلاف القرائي بالدلالة والتفسير، وهو منهج يجعل القراءة القرآنية مادةً لفهم ثراء العربية واتساع وجوه البيان في النص القرآني. وقد حرص المؤلف على تقديم التخريج بعبارة واضحة بعيدة عن الإفراط في التطويل أو الإيجاز المخل، مع الميل إلى اختيار ما يراه أرجح من الأقوال بدل إغراق القارئ في جميع المناقشات والخلافات اللغوية والتفسيرية. وتظهر أهمية منهجه في الجمع بين علوم متداخلة؛ فالقراءة تُدرس من حيث صحة وجهها في العربية، ثم يبيَّن موقعها الإعرابي، ثم يُنظر في أثر ذلك الوجه على المعنى التفسيري، وبذلك لا تُعامل القراءات بوصفها اختلافات صوتية أو لفظية مجردة، وإنما باعتبارها عنصرًا أصيلًا في بناء الدلالة القرآنية. ويستند هذا النوع من الدراسة بطبيعته إلى كتب القراءات والتفسير والنحو ومعاني القرآن وإعرابه، وهو ما يمنح العمل صلةً وثيقة بالتراث اللغوي والتفسيري القديم، مع إعادة ترتيب مادته في صورة بحثية تناسب الدارس المعاصر. وتبرز أصالة الكتاب في جمعه المنهجي بين الرواية القرائية والتحليل اللغوي والتفسير، وفي إظهار أن كثيرًا من وجوه القراءات تمثل شاهدًا على سعة العربية، وأن اختلافها قد يضيف معنى أو يوسع الدلالة دون تناقض. كما أن امتداد الكتاب في ثلاثة أجزاء يعكس استقصاءً واسعًا لمواضع القراءات المتواترة ومناقشة تخريجاتها، ولذلك يتجاوز حدود الكتاب التعليمي المختصر إلى مستوى المرجع البحثي. والكتاب مناسب لطلاب القراءات وعلوم القرآن، ودارسي النحو والصرف والتفسير، وبخاصة طلاب الدراسات العليا والباحثين في توجيه القراءات وأثرها في المعنى القرآني. وتتمثل قيمته العلمية في إقامة جسر بين علم الأداء وعلم العربية وعلم التفسير، وإبراز القراءات بوصفها مصدرًا أصيلًا للاستدلال اللغوي وفهم النص، مما يجعله مرجعًا مهمًا لمن يريد دراسة القراءات دراسة تحليلية تتجاوز إثبات الرواية إلى بيان حجتها اللغوية وأثرها الدلالي والتفسيري.