يمثل «الأنوار السنية في جمع الآي من الدرة والشاطبية – الجزء التاسع والعشرون» لممدوح مصطفى عبد الغني حلقة متقدمة جدًا ضمن مشروع تطبيقي موسع في جمع القراءات العشر الصغرى، وهو مشروع ينتقل بطالب القراءات من مرحلة معرفة أصول القراء والرواة وفرشهم على سبيل الإفراد إلى مرحلة تطبيق تلك الأوجه مجتمعة في سياق التلاوة القرآنية. وتقوم المرجعية العلمية للسلسلة على «حرز الأماني ووجه التهاني» للإمام الشاطبي في القراءات السبع، وعلى «الدرة المضية» لابن الجزري في القراءات الثلاث المتممة للعشر، وبذلك يكون نطاقها القراءات العشر الصغرى دون الطرق الموسعة في «طيبة النشر». وتنبع أهمية هذا النوع من التأليف من أن الجمع بين القراءات لا يعني مجرد تكرار الآية بحسب عدد القراء، بل يتطلب معرفة مواضع الاتفاق والخلاف، وترتيب الأوجه، والاقتصاد في التكرار عند اشتراك القراء، وإعادة الكلمة أو المقطع عندما تستدعي الحاجة إظهار وجه خاص بقارئ أو راوٍ. كما يحتاج القارئ إلى التمييز الدقيق بين القارئ والراوي والطريق والوجه، لأن صحة النسبة جزء أساس من صحة الأداء، ولأن خلط الطرق قد يؤدي إلى تركيب أوجه لم تثبت مجتمعة. ويؤدي المشروع وظيفة تعليمية تطبيقية واضحة؛ إذ يحول رموز الشاطبية والدرة وأبواب الأصول والفرش من مادة نظرية محفوظة إلى ممارسة مرتبطة مباشرة بالنص القرآني، فيتدرب الطالب على استحضار الخلاف وتنظيمه أثناء القراءة. ويكشف وصول السلسلة إلى الجزء التاسع والعشرين، ووقوع هذا الجزء في 123 صفحة، عن اتساع المشروع وحرص المؤلف على تقديم تدريب متدرج ومفصل بدل الاقتصار على نماذج مختارة. ويرتبط هذا النوع من العمل كذلك بعلم التحريرات؛ لأن ثبوت أوجه متعددة منفردة لا يعني دائمًا جواز تركيبها جميعًا في أداء واحد، ولذلك لا بد من مراعاة الطرق والقيود التي قررها أهل الأداء. ويستفيد من هذا الجزء طلاب الشاطبية والدرة، وطلاب القراءات العشر في مرحلة الجمع، والمقرئون الذين يحتاجون إلى مادة تطبيقية لتنظيم الأوجه ومراجعتها. ولا يعد مناسبًا للمبتدئ في التجويد قبل تأسيسه في الأصول والفرش ومصطلحات القارئ والراوي والطريق، كما لا يغني عن المشافهة والعرض على شيخ متقن، لأن كيفية الجمع والانتقال والوقف والابتداء أداء مروي بالسند لا يستوفى بالكتاب وحده. وتتمثل القيمة العلمية للجزء في مواصلة تحويل مادتي الشاطبية والدرة إلى تدريب قرائي منظم، وتنمية قدرة الطالب على استحضار الخلاف وترتيب الأوجه وضبط نسبتها، والمساهمة في حماية الأداء من الخلط والتلفيق في القراءات العشر الصغرى.
غير موجوه الآن

