يمثّل كتاب «بين التواتر القرآني والتواتر القرائي: دراسة تأصيليّة من التأسيس إلى الظهور والانتشار» للدكتور عبد السلام بن مقبل المجيدي معالجةً منهجيّةً عميقة لمفهومَي التواتر وضبط التخوم بينهما؛ إذ يبيّن أنّ التواتر القرآنيّ معقوده ثبوتُ نصّ القرآن في ذاته بتلقّي الأمّة له جيلًا بعد جيل، بينما يتعلّق التواتر القرائيّ بطرائق الأداء وأوجه القراءة وأسانيدها ضمن سنن الإقراء. يعرض المؤلف خريطةً تاريخيّة لمسار المفهومين منذ عصر الصحابة والتابعين، مرورًا بتقعيد الأئمّة لقضايا الجمع والضبط وسلاسل التلقّي، وصولًا إلى مناهج التصنيف وذيوعها؛ ثم يقارن مواقف العلماء من شرط القبول: أهو اشتراط التواتر في القراءة أم تكفي صحّة السند مع الشهرة والاستفاضة؟ وينتهج في ذلك منهجًا تأصيليًا تحليليًا يزاوج بين الاستقراء للنصوص والأسانيد والموازنة النقديّة لأقوال المتقدّمين والمعاصرين، فيرتّب البحث من التعريفات والأدلّة إلى التطبيقات والشواهد. ويتّسم العمل بدقّة اصطلاحه، وصرامة توثيقه، وتنظيمٍ منطقيٍّ يُظهر الفروق الدقيقة بين تواتر النصّ وتواتر الوجه، مع لغةٍ عربيةٍ فصيحةٍ رصينةٍ وأسلوبٍ أكاديميٍّ متماسك. ويستهدف الباحثين في علوم القرآن والقراءات، وطلبة الدراسات العليا، ولجان مراجعة المصاحف، ومدرّسي الأداء؛ إذ يقدّم لهم إطارًا معياريًّا يردّ النزاع إلى قواعد الفنّ ويُحسن ترتيب طبقات الثبوت وآثارها التعليمية والتحقيقيّة. وتكمن قيمته العلميّة والثقافيّة في ترشيد الخطاب حول التواتر، وتحرير مواضع الخلط الشائع بين النقل والأداء، وتشييد سرديّةٍ موثّقة لمسار النشأة والانتشار، بما يعمّق اليقين بسلامة النصّ القرآني ويضع أوجه القراءة في موضعها المنهجي الصحيح داخل بنية العلوم الشرعيّة.